ملا بختيار

العراق: فلسفتين سياسيتين غير ناضجتين!

  2019-11-06 02:25      164 عدد المشاهدات        تعلیق

الفلسفة السياسية والتغيير الاجتماعي
لكل زمن، ظاهرة سياسية وميزة اجتماعية مختلفة؛ وضمن كل ظاهرة سياسية وميزة اجتماعية تظهر فلسفة سياسية مختلفة. وسندخل في صلب الموضوع من خلال توضيح الفلسفة السياسية.
الحضارة الاغريقية تتناول الفلسفة السياسية. وفي القرن السابع عشر، ونتيجة البحث العلمي، حدثت نهضة عقلية، وحل علم الطبيعيات محل الميتافيزيقا، ومن هناك برزت فلسفة جديدة والعلوم المكتشفة اصبحت نواة للفلسفة، ولكن مع التغييرات، لم يبق للفلسفة والفلسفة السياسية،  سوى الأسس العلمية. العلم له اصل مختلف والفلسفة السياسية شقت لها طريقا مختلفا.
الفلسفة السياسية، حررت السياسة من قالبها الجاف وجعلته منهجا علميا. بمعنى: الفلسفة السياسية وعلم السياسة لهما اتجاه واحد، وكلاهما فاعلان ضمن المفاصل الاجتماعية.
الفلسفة السياسية، لا تراوح في مكانها في مرحلة او عصر ما، بل تتغيير مع المتغيرات، يقول هيجل: الفلسفة السياسية، هو تفسير للارهاصات التي لها وجود، او التي نتجت ويتم تفسيرها عن طريق العقل، كما ويقول: واجب الفلسفة تفسير تلك الاحداث والمظاهر الموجودة، لكي يتم ايجاد طريق لمعالجة المشاكل. يخبرنا هيجل في هذا النص: الفلسفة زاد للعقل والعقل أساس القرار.
بشكل عام، كانت الفلسفة السياسية معمول بها الى ما قبل نصف قرن من الآن، ولكن في العقود الماضية، انشغل المفكرون والمنظرون بالفلسفة السياسية وفلسفة الحكم الجديدة. حتى وصل بها المطاف الى هذه المراحل والظواهر الاجتماعية الحديثة، وفي العقدين الأخيرين تكاد العولمة، التواصل الاجتماعي، ان ترصف جميع القوالب الاجتماعية والسياسية امامها في المتحف الكلاسيكي، وتفرض الحالة الموضوعية للعلاقة الاجتماعية الجديدة والفلسفة السياسية الحديثة. ومن واجب العقل الذي هو مصدر القرارات وزاد الفلسفة، ان يبدع الفلسفة السياسة الحديثة في ضوء التغييرات.
لقد شهدت وتشهد تيارات التغيير الاجتماعية تغييرات أسرع في نصف القرن الماضي، مقارنة بالقرن الذي سبقها. فأسوار المناهج لم تنهار في الآلف الثاني دون سبب. وبعد ذلك، لم تتكون فجأة ارضية نشوء النظام العالمي الجديد وصولا الى العولمة؛ وعلى الاقل بعد أفول الحرب الباردة، اثبتت ظاهرة الخصال الاجتماعية، تلك الحقيقة، ان جميع التغييرات، ليست فقط مرتبطة بالمادية التاريخية المعطاة. بل تشير الى تأثيرات أخرى باتجاه الاحداث. منها الدين والمذهب (واذا كانت تعود لمرحلة ما!)  فإن هذه الحقائق بمجملها موضوع جديد للعلاقات الاجتماعية والحركات السياسية، وحتى ليساريي الواقع الديمقراطي.

التواصل الاجتماعي والفلسفة الجديدة للسياسة
منذ ربع قرن، هناك ظاهرة من اكثر الظواهر تأثيرا، أثرت على العلاقات الاجتماعية والاحداث. نستطيع ان نقول انها غيرت أسس الطبقة الاجتماعية اكثر من البنية الاقتصادية الكلاسيكية والدين والمذهب ووضعت الفلسفة المادية التاريخية امام منظور الفلسفة والاقتصاد السياسي الجديدين. وذلك، بناء على التكنولوجيا والتقنية الجديدة للتكنولوجيا، حيث ان الانترنيت ايضا له تأثير هائل على المجالات الاجتماعية وبالنسبة لمصدر المعلومات والعلم، فإن (جوجل و ويكبيديا وآلتفيسكا) مصدر ومعيار للبحث لجميع المعلومات. وخاصة تأثيراتها على مجمل العلاقات الاجتماعية وكذلك العادات الاجتماعية والفكر السياسي.
التكنولوجيا والتقنية الحديثة للانترنيت، خمنت تدريجيا نتيجة التطور الطبيعي للمراحل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية غرب كوردستان، وصولا الى قمة تكنولوجيا الليزر، ليس فقط ازاء الحياة الاجتماعية والحكم، بل العلوم والبيئة والكون، رغم ان تلك البلدان لا زال يهيمن عليها الدين والعقيدة، او تلك المجتمعات التي بنيتها التحتية والفوقية لم تواكب العصرنة منذ القرون الوسطى والى القرن المعاصر، لازالت هناك مشاكل عديدة لا حد لها في التدين والتقاليد القديمة قابعة داخل هذه المجتمعات، واصبحت عائقا فكريا وروحيا في كيفية فهمهم العلمي للعالم والحياة والحياة الاجتماعية. لذلك حينما خطى البشر بعد الحرب الباردة باتجاه العولمة، انقسمت الارض الى اتجاهين رئيسيين متصارعين وغير ناضجين في التغيير؛ اتجاه متقدم حامل للمفاهيم المعاصرة ، واتجاه اصولي مازال فكره العام مقفل؛ اما ما يحيط هذين الاتجاهين، ففي البلدان الأصولية تحقق التقدم بشكل افضل، ولكن لا يزال ينتظرهم الكثير للحاق بالبلدان المتقدمة، مثل الهند، سنغافوره، بلدان امريكا اللاتينية، ماليزيا.. الخ.
وازاء هذه الخريطة الاجتماعية- السياسية للدول، نرى انه في العالم الغربي تلاشت مخاوف نشوء قوة ارهابية مسيحية سلفية، بينما لازالت مخلفات الفكر والتقاليد الرجعية باقية في الدول المتوسطة التقدم، ولكن العودة الى القرون الوسطى قد انتهى.

الفكر المغلق للاصولية
في الدول الاصولية، وخاصة تلك التي تتسم بعمق النفوذ الاسلامي، اولئك يشكلون في غالبيتهم مخاوف كبيرة حيث ان قسم ملحوظ داخل الاسلام التقليدي ينتمون الى القوى السلفية المتشددة، دون ان يكون في المقابل قوة اجتماعية تقدمية لها فعل التصدي، لماذا؟
لان القوة التقدمية، في هذه البلدان، لم تقف على اسس ثورة ديمقراطية وتغيير تنويري. بل تم تطعيم خيالهم الديني بالفكر المتقدم الى حد ما، غير أن عملية التطعيم هذه لا تفي بتغيير الفكر الأصولي! هذا التفاعل المختلط، قد تجسد بوضوح في الوضع الراهن للمظاهرات والانتفاضة والحرب المعادية للسلفيين الانتحاريين. وبخاصة حينما نجري مقارنة انتفاضة البلدان الاسلامية مع انتفاضات هونغ كونغ وكاتلونيا وتشيلي، وحتى في لبنان والجزائر، يمكن معرفة الاختلاف بوضوح. وفي البلدان الاسلامية يمكن رؤية الكثير من الاتجاهات البارزة.
-الاتجاه الاول؛ قوة اجتماعية سياسية محافظة (وطني، ديمقراطي، مدني وقومي..الخ)
-الاتجاه الثاني؛ قوة اجتماعية اسلامية- مذهبية.
-الاتجاه الثالث؛ قوة اجتماعية- سلفية.
-الاتجاه الرابع؛ قوة اجتماعية- تدار من قبل تأثير التواصل الاجتماعي المتقدم.
غالبية الاتجاه الرابع؛ من الجيل الجديد لهذا العصر. بمعنى: جيل ما بعد ظهور الانترنيت.
في بلد مثل العراق، الانتفاضة تختلف عن الانتفاضة في الجزائر ولبنان. لماذا؟
في لبنان، بحكم انها تحتوي على شاطئ للبحر ولديها مكون مسيحي قوي. لذلك فإن فكرها المدني أقوى مما هو في العراق، حتى ان الثقافة الديمقراطية والحرية السياسية- الاجتماعية اكثر تقدما، كما انها تقع تحت التأثير الثقافي الفرنسي والغربي، لذلك نرى ظاهرة المدنية، اكبر من حوادث العنف، واتجاه الانتفاضة فيها يتحرك بهدوء ويشارك فيه معظم الفنانين.
الى حد ما في الجزائر ايضا، بالرغم من استمرار مظاهرات الجمعة للاسبوع الاربعين، إلا ان تأثير الثقافة المدنية طاغ عليهم. وهذا له علاقة بكون البلد يطل على البحر وبتأثير فرنسا. ولاننسى ان الجزائريين ذاقوا مرارة السلفيين الارهابيين في التسعينيات، والآن تداعياتها أقل في سوريا، العراق، ليبيا واليمن.. الخ. لذلك، واضح الى حد ما، ان انتفاضتهم المستمرة، تتحرك بهدوء. وجدير بالذكر، ان دول المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر) اصبحت الآن مركزا مهما للنضال المدني والفكر الفلسفي والفلسفة السياسية الحديثة. إن ترسيخ الدستور المدني بمصادقة الشعب التونسي دليل على ذلك.
لكن.. الوضع الاجتماعي والظروف السياسية وفكر الرأي العام في العراق العربي المؤسس في عصر الاحتلال البريطاني، والصاق جنوب كوردستان به عنوة، أشبه الى حد ما بالوضع في اليمن.

العراق والنفوذ الديني
في العراق ومنذ العام 1958 جرى باستمرار تغيير الحكومات. و16 عاما على سقوط نظام صدام. فضلا عن وجود بدايات أدبية وفنية جيدة تحت تأثير الحداثة الموجودة في المحيط. ولكن في العراق العربي في القرن الثامن جرى قمع المعتزلة وخاصة في البصرة وبغداد (القرن الثاني الهجري) و(بيت الحكمة) والخيال الفكري الجديد في الدين والمذهب،  وصولا الى الآن. ما اريق في العراق من دماء ودفن الاحرار فيها، أقل بكثير من التفكير في تحرير المجتمع العربي من خيالات القرون الوسطى. من يتمعن في كتاب (التاريخ  الدموي للعراق- باقر ياسين) سيصاب بالدهشة ازاء كل هذا القتل واراقة الدماء الذي ارتكب في العراق العربي. قتل (76) خليفة وسلطان اسلامي داخل بغداد فقط. بالرغم من تلك الجرائم، كانت الأوساط المذهبية الجامدة (شيعة - سنة) مؤثرة جدا في ترويج خيالات القرون الوسطى، الحركات الأدبية والفنية، بل وفي الحركة السياسية ايضا من اجل الفكر الديمقراطي والتنويري.
بعد 82 عاما من النضال الوطني (1921-2003) وعقب سقوط نظام صدام وظهور الحزب السياسي.. الخ، أظهرت هذه الحقيقة حول الشيعة والسنة بشكل جلي مدى عدم نضج المجتمع العراقي العربي لحد الآن، لذلك بدلا من تأسيس حكومة دميقراطية، ظهر نفوذ الشيعة والسنة بعمق في جميع الانتخابات وكتابة الدستور المصادق عليه من قبل الشعب.  وبمعزل عن السياسة الرسمية والتقاليد الاجتماعية لهذين المذهبين، كان للتيارات السلفية الانتحارية تقدما ونجاحا. والدستور العراقي الدائم، مليء بالفكر الاسلامي الأصولي وخاصة المذهب الشيعي.
امتدت هذه الاوضاع السياسية- الاجتماعية - المذهبية،  ما يقرب من 15 سنة عقب نظام صدام. لكن في المال، تحت تأثير التغييرات وتأثير التواصل الاجتماعي وبسبب استمرار انتفاضات البلدان الأخرى، لا سيما ان الفساد والجشع والتحايل في الانتخابات ساد مع الوقت. الى الحد الذي نشرت فيه المراكز المالية العالمية عن سرقة (368) مليار دولار عن طريق الفساد خلال الـ(15) سنة الماضية، ونقلت بالتحديد الى بريطانيا، فضلا عن الدول العربية والدول المحيطة والعالم. لذا بسبب الأموال، عمّت الاحتجاجات البصرة وبغداد وعدد من المدن الأخرى لاسيما كربلاء والنجف الشيعية، نضال الجيل المعاصر، يتنامى تدريجيا ووصل الى حد الانتفاضة في الاسبوع الماضي، من الواضح انها قوة اجتماعية جديدة وجيل عصري نزل الى بوتقة النضال باتجاه سياسي ومدني جديدين مختلف عن النضال السياسي طوال القرن الماضي في العراق.

التواصل الاجتماعي والحاجز البالي
الآن، واضح للعيان ان الحواجز المذهبية والقانونية والقوة اصبحت بالية الى حد ما. اجيال التغيير، ينهضون ويطالبون بالتغيير الشامل. المظاهرات يتم سوقها نحن الانتفاضة، شعارها الرئيسي، مكافحة الفساد والمطالبة بالعيش الكريم والعدالة.
الفاسدين، بدوا امام الرأي العام أشبه بمن سرق غولا. وشعار مكافحة الفساد في الشارع لوحده، يكفي لينتفض الشارع السياسي. على مدى تاريخ العراق العربي، اي مطلب آخر لم يقد الناس للحراك ضد الحكومات بقدر ما فعله مطلب مكافحة الفساد. واصبح الفاسدون يترافسون اشبه بالجرذان المذعورة داخل مصيدة انكمشت عليهم.
في الجهة المقابلة من منتفضي جيل التواصل الاجتماعي، اصبح مسؤولوكم اولئك الفاسدون اصحاب القوة المسلحة وسراق اكوام الدولارات، من خجلهم في مداراة خستهم، أشبه بخونة ما بعد انتفاضة (1991)، لا يعرفون ماذا يفعلون بالكيس المليء بفئة الـ(25) دينار ايام كانوا عملاء وجحوش للنظام.  
الانتفاضة الحالية، لن تكون تأثيراتيها سياسية فحسب، بل ان بعد تغييرها الاجتماعي سيظهر أكثر فأكثر مع الوقت بالتزامن مع التغيير العولمي، ومن هنا، تبرز المرحلة السياسية الحديثة والفلسفة السياسية الحديثة. وستكون الفلسفة السياسية الحديثة اكثر اختلافا وتأثيرا حتى من الفلسفة السياسية في عصر ما قبل العولمة والتواصل الاجتماعي، في خلق الرأي العام للعصر ونظام العصر والنضال الديمقراطي- المدني العصري. ويبدو ان الفكر الديمقراطي - التنويري المعاصر فقط ومن خلال بوتقة هذا النضال المدني المعاصر وفي ظل هذا العقد، سينتصر على الفكر التوتاليتاري الروحي، خاصة  في الحياة الاجتماعية، متجسدة معظمها في مجال النضال النسوي. وبهذه التحولات فقط تبرز القوة الديمقراطية الاجتماعية على الساحة وتربط العملية الديمقراطية بالعدالة الحقيقية. ومالم تتجه هذه التحولات الاجتماعية والسياسية في العراق وكوردستان نحو الاتجاه التنويري والمدني المعاصر، فإنه من الاستحالة بمكان ان تتحقق الديمقراطية والعدالة والمساواة بين المرأة والرجل.

 


المزيد من المقالات

مشكلة الاحزاب وفهم الحقبة ‬ ملا بختيار
2019-11-19 02:14      176 عدد المشاهدات


أحدث أخبار

آراء و مواقف

إعلام جديد

معرض الصور

حالة الطقس

الأكثر قراءة